السيد علي عاشور

96

موسوعة أهل البيت ( ع )

وأمرجوا أنفسهم في الشهوات ، وزعموا أن السماء خاوية ما فيها شيء مما يوصف ، وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين بحجة من روى أن الله عز وجل خلق آدم على صورته ، وأنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور ، والقيامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر ، إن كان محسنا في القالب الأول أعيد في قالب أفضل منه حسنا في أعلى درجة الدنيا وإن كان مسيئا أو غير عارف صار في بعض الدواب المتعبة في الدنيا أو هوام مشوهة الخلقة ، وليس عليهم صوم ولا صلاة ولا شيء من العبادة أكثر من معرفة من تجب عليه معرفته ، وكل شيء من شهوات الدنيا مباح لهم من فروج النساء وغير ذلك من نكاح الأخوات والبنات والخالات وذوات البعولة ، وكذلك الميتة والخمر والدم ، فاستقبح مقالتهم كل الفرق ولعنهم كل الأمم ، فلما سئلوا الحجة زاغوا وحادوا ، فكذب مقالتهم التوراة ، ولعنهم الفرقان ، وزعموا مع ذلك أن إلههم ينتقل من قالب إلى قالب ، وأن الأرواح الأزلية هي التي كانت في آدم ، ثم هلم جرا تجري إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر ، فإذا كان الخالق في صورة المخلوق فبما يستدل على أن أحدهما خالق صاحبه ؟ وقالوا : إن الملائكة من ولد آدم ، كل من صار في أعلى درجة في دينهم خرج من منزلة الامتحان والتصفية فهو ملك ، فطورا تخالهم نصارى في أشياء ، وطورا دهرية يقولون : إن الأشياء على غير الحقيقة ، قد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحم ، لأن الدواب عندهم كلها من ولد آدم حولوا من صورهم ، فلا يجوز أكل لحوم القرابات . قال : ومن زعم أن الله لم يزل ومعه طينة مؤذية فلم يستطع التفصي منها إلا بامتزاجه بها ودخوله فيها ، فمن تلك الطينة خلق الأشياء قال : سبحان الله وتعالى ما أعجز إلاها يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصي من الطينة ؟ إن كانت الطينة حية أزلية فكانا إلهين قديمين فامتزجا ودبرا العالم من أنفسهما ، فإن كان ذلك كذلك فمن أين جاء الموت والفناء ؟ وإن كانت الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الأزلي القديم ، والميت لا يجئ منه حي ، هذه مقالة الديصانية أشد الزنادقة قولا وأهملهم مثلا ، نظروا في كتب قد صنفتها أوائلهم وحبروها لهم بألفاظ مزخرفة من غير أصل ثابت ولا حجة توجب إثبات ما ادعوا ، كل ذلك خلافا على الله وعلى رسله وتكذيبا بما جاؤوا به عن الله ، فأما من زعم أن الأبدان ظلمة والأرواح نور وأن النور لا يعمل الشر والظلمة لا تعمل الخير فلا تجب عليهم أن يلوموا أحدا على معصية ، ولا ركوب حرمة ولا إتيان فاحشة ، وأن ذلك على الظلمة غير مستنكر ، لأن ذلك فعلها ، ولا له أن يدعو ربا ولا يتضرع إليه ، لأن النور رب ، والرب لا يتضرع إلى نفسه ولا يستعيذ بغيره ، ولا لأحد من أهل هذه المقالة أن يقول : أحسنت أو أسأت ، لأن الإساءة من فعل الظلمة وذلك فعلها ، والإحسان من النور ولا يقول النور لنفسه : أحسنت يا محسن ، وليس هناك ثالث فكانت الظلمة على قياس قولهم أحكم فعلا وأتقن تدبيرا وأعز أركانا من النور ، لأنّ الأبدان محكمة ، فمن صور هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة ؟ وكل شي يرى ظاهرا من الزهر والأشجار والثمار والطير والدوات يجب أن يكون إلها ، ثم حبست النور في حبسها والدولة لها .